يمكن القول أن “دولة القانون” هي بديل عن السلطة المطلقة التي يملكها فرد أو مجموعة ما ، وهو كذلك بديل للحكم يصدر عن القوة الجسدية أو النفوذ الذي يمتلكه شخص ما أو مجموعة ما من طرف الحاكم أو المال أو العصبية إلى غيرها من إشكال النفوذ وبهذا المفهوم تكون دولة القانون نقيضها للدولة التعسفية والديكتاتورية من حيث إنها بديل لاغتصاب الحقوق والظلم والتعسف في مقابل تبنيها لقيم سامية ونبيلة تحقق الكرامة والحرية للشعوب فدولة القانون تنظم السلطة على أساس الحق والعدل والإنصاف وعلى أساس نصوص مكتوبة لا تترك الأهواء والتسلط مجالاً للتدخل وبالتالي يستطيع المجتمع ضمان حريته الخاصة وضمان مصالحه فلا يتحرك إلا تحت مظلة القانون الذي يضبط الأحكام ويقيد الحاكمين بنصوص وإجراءات لا يمكن تجاهلها .
فالشعوب في هذه الحالة أو الوضعية لا تقبل أن تفرض عليها القوانين من سلطة عليا دون أن يكون على الأقل قد رضي بها وبالتالي فالحاجة إلى دولة القانون مطلب أساسي وضرورة ملحة لإحقاق الحق وتكريس مبدأ العدالة وكل ذلك في سبيل إقرار النظام والتقدم للمجتمع .
إن صدور القانون وإقراره في ظل ” دولة القانون” لا يستفيد منه الفرد والمجتمع فحسب ولكنه يمنح للدولة قوة واحتراماً داخل المجتمع الذي تسيره ويمنح سلطتها المصداقية ، علاوة على الاحترام الدولي أو الخارجي الذي تكون الدولة في حاجة إليه لتكون مكانتها الدولية محترمة الجانب .
فالباحثون في دولة القانون يجمعون على ضرورة توافر العديد من الآليات لتحقيق سليم لروح هذا المفهوم وضمان صيرورته في ظل واقع ملموس وكذا توفير الظروف والضمانات لترسيخ هذا المفهوم في ثقافة ووعي المواطنين ومن أهم المداخل لتجسيد دولة القانون وتكريس وجودها هي :

مبدأ الشرعية : أي تقييد والتزام الجميع بمبدأ سيادة القانون والخضوع سلوكاً واستقامة وممارسة .
الرقابة القضائية : كوسيلة أساسية لحماية دولة القانون “وضمان” تحقيقها في ظل تقوية مبدأ استقلالية القاضي الإداري .
سمو الدستور : ومراقبة دستورية القوانين كشرط ضروري لدولة القانون فبدونها يبقي الدستور دون معني ويتحول إلى قيمة رمزية .
قد يظهر مفهوم العدالة مرتبطاً بمفاهيم أخري كالحق ، والمساواة إلى غير ذلك من المفاهيم ،، مما يؤدي إلى التساؤل حول أهمية العدالة وحضورها في المجتمع وارتباطها

بحقوق الإنسان وبالأخلاق … ومن ثم تطرح التساؤلات التالية نفسها : هل هناك فعلاً عدالة ؟ أم أن العدالة مجرد مثال يصعب تحقيقه والوصول إليه ؟ هل العدالة قيمة مطلقة أم نسبية ؟ وأخيراً ما هو البعد الأخلاقي للعدالة باعتبارها قيمة ؟
1-
العدالة كقيمة أخلقية عليا
كان السفسطائيون من أوائل من عالجوا إشكالية العدالة ، وقد كانت قناعتهم الفلسفية تقوم على اعتبارات ترتبط بالشك المذهبي ، فكانوا يعتبرون الفرد مقياس كل شي . وعلى هذا الأساس اعتقد السفسطائيون أن العدالة غير موجودة أو على الأرجح ، إنها مفهوم غامض وقيمة لا يؤمن بها إلا الضعفاء وكان غلوكون يعتمد في شرحه للموقف السفسطائي – على أسطورة جيجيس GYGES ذلك الراعي الذي اكتشف أن تحريك خاتم في إصبعه يخفيه عن أنظار الناس ، فجعله ذلك يتنكر لمبادئه الأولي حول العدالة .
وقد أتت الأطروحة الافلاطونية لتدحض الفكر السفسطائي ، علماً بان أفلاطون لا يؤمن بالمفهوم الديموقراطي للعدالة . حيث أكد أفلاطون بصريح العبارة ، أن العبيد واهمون حينما يعتقدون في المساواة ، لان العدالة لا يمكنها أن تكون كذلك ابدأ لان الناس خلقوا غير متساوين بطبعهم (أسطورة المعادن) . ومن ثم فان العدالة تتجسد عملياً في المجتمع إذا انصرف كل واحد إلى ما هو مؤهل له بطبعه فيجب أن يكون التقسيم الطبقي للمجتمع ، متطابقاً مع تقسيم قوى النفس (القوة الشهوائية ، والقوة الغضبية ، والقوة العاقلة) . والحكمة تقتضي أن تخضع القوتان الشهوائية والغضبية إلى القوة العاقلة لتصل القوة الشهوائية إلى فضيلتها التي تتجلي في العفة والاعتدال ، وتسمو القوة الغضبية إلى فضيلتها التي تتمثل في الشجاعة .
إن قيمة العدالة هي توجه قوى النفس وتضمن تربيتها باعتبارها فضيلة الفضائل . وعلى غرار النفس ، لا يمكن أن نضمن مدينة مثالية – في نظر أفلاطون – دون أن يضم المجتمع ثلاث طبقات (علاوة على طبقة العبيد) ، وهي : طبقة العامة ، وطبقة الجند ، وطبقة الحكام ، وهم الفلاسفة الذين عليهم الانصراف إلى إدراك العدالة كقيمة عليا ترتبط بعالم المثل
أما أرسطو ، وإن كان هدفه محاربة الفكر السفسطائي ، إلا انه يختلف مع أفلاطون في تمثيله للعدالة ، حيث يري أرسطو أن العدالة تتمثل نظرياً في الوسط الذهبي (لا إفراط

ولا تفريط) الذي يستطيع وحدة أن يضمن الفضيلة وعلى هذا تتأسس العدالة العلمية ، التي تتجلي بخصوص في توزيع الثروات بين الأفراد بطريقة رياضية تناسبية (بمعني أن العدالة تقتضي أن يتقاسم الأفراد بينهم بطريقة عادلة الصالح والطالح) ، كما تتجلي في

سن قوانين قمينة بضمان الأمن والسكينة والإنصاف لسكان المدينة وتقوم العلاقات بين أفراد المجتمع على صداقة حقيقية ومثالية .
وقد خرج مفهوم العدالة من الإطار الميتافيزيقي ، مع الفلسفة السياسية التي دشنتها فلسفة الأنوار ، حيث نجد الفيلسوف الإنجليزي ديفيد هيوم D.HUME يحاول أن يتكلم انطلاقاً من تبعات الثورات الصناعية وروح الثورة الصناعية وروح الثورة الفرنسية ، فربط العدالة بالرفاهية التي يجب تحقيقها للفرد فوصفه مستهلكاً مما سيؤدي إلى احترام

لقوانين والالتزام بها . وهذا في اعتقاده لن يتحقق إلا بضمان الحرية الفردية التي يمكنها أن تتبلور مع الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج علاوة على التصنيع ، والتقنية . وهذا ، فعلاً ، يجسد تلك الروح الليبرالية التي تعتقد أن الدولة توجد في خدمة الفرد وليس العكس . ويعتقد مونتيسكيو MONTESQUIEU أنه لا يمكن ضمان العدالة الفردية إلا بفصل السلطات الثلاثة [التشريعية ، والتنفيذية ، والقضائية] . إلا أن بانجمان كونسطان B.CONSTANT يعتقد أن على الفرد كذلك واجبات تجاه الدولة ، فعلى الفرد أن يضحي بجزء من حريته ، وبجزء من ثروته خدمة للصالح العام .
إذا تجاوزنا هذا الطرح الفلسفي السياسي ، فإننا نصادف الفيلسوف الألماني كانط KANT يحاول أن يؤطر العدالة إطار معياري أخلاقي .لان العدالة – في نظره – قيمة أخلاقية ترتبط بثلاث معايير أخلاقية هي : الحرية ، والكرامة ، والواجب . فالإنسان موجود حر يملك كرامة تفوق كل سعر ، ويعمل كذلك بمقتضي الواجب الأخلاقي الذي يتطلب من الفرد أن يعمل كما لو كأن أسوه لغيره من الأفراد ، وان يسلك كما لو كان مشرعاً وفرداً ، وان يتعامل مع الآخرين من خلال احترام متبادل يمليه عليه احترامه لنفسه . لا يمكن للعدالة أن تتجسد – إذن – إلا من خلال أعمال عقل أخلاقي عملي ، يسمو به الإنسان فوق كينونته الطبيعية .
2-
نقد العدالة كقيمة أخلاقية
أن هذه المتمثلات وغيرها لم تكن دون أن تشهد اعتراضات من بعض الفلاسفة ، فنجد نيتشه يشك في إمكانية وجود عدالة وجود عدالة . حيث يعتقد هذا الفيلسوف أن منطق القوة وحده يؤطر السلوك البشري ، فإرادة القوة تفترض هيمنة أخلاق القوة (أخلاق السادة) أما المساواة والحرية …، فهي من شيم الضعفاء ، ومن الطوباوية بأن الاعتقاد بأن العدالة يمكنها أن تؤطر العلاقات بين الأقوياء والضعفاء فالعدالة . لا تكون إلا بين الأقوياء والأنداد .

أما الفيلسوف الفرنسي ميشل فوكو M. FOUCAULT ، فيعتقد أن العدالة ليست قيمة أخلاقية ، لأنه يغلب عليها الطابع المؤسسي (أو المؤسساتي) : فالمجتمع يعمل من خلال مؤسسات تعمل بطريقة سلطوية ، تقوم بنشر مفهوم معين للعدالة ، وتسهر على احترامه وتنفيذه ، ولا تطلب من الفرد إلا أن يكون خاضعاً طيعاً .

يلاحظ من خلال الأطروحات السابقة ، أن الأفكار توزعت بين من يؤمن أيماناً قطعياً بالعدالة ومن يشك في وجودها دون أن يعني أن هناك إجماع حول تمثل العدالة بصورة واحدة . ولكن إلا يحق لنا . أن نواجه من يشك في وجود العدالة كقيمة أخلاقية بالتأكيد على أن المجتمع الذي يتأسس على العدالة يضمن أكثر للإنسان إنسانيته ويحفظ له كرامته ؟! فمن الأفضل أن يأمل الإنسان في مثل وقيم من أن يعيش بدون مبادئ تحفظ له كرامته وتصون له حرياته داخل المجتمع المدني المعاصر .