كلية الأدب واللغات والفنون

قسم الفنون.

مقياس: فن الإخراج

سنة ثالثة مسرح.

أ معروف مختارية حنان.

 

المحاضرة الأولى:

 الدراماتورج والمخرج (حدود العلاقة بينهما).

 

 

    المسرح هو فن المشاهدة والمتعة  وكونه كذلك فانه ينفرد عن الفنون والنشاطات الثقافية الأخرى  بنوع من الخصوصية والتي تؤكدّها عناصر أهمها: الدراماتورجيا. 

   مفهوم الدراماتورجيا:

     يعرّفها ايميل ليتري بأنّها:"  فن تركيب النصوص المسرحية "، كما يؤكّد باتريس بافيس بأنّ تصوّر الدراماتورجيا عموما كتقنية للفنون المسرحيةالتي تسعى إلى وضع مبادئ بناء المسرحية. وقد عرفت الدراماتورجيا تطوّرات دلالية كبيرة بتطوّر المسرح وتقنياته، إضافة إلى تطوّر المفهوم والأدوار ( أي دور الدراماتورج)وكذا من يقوم بذلك الدور أو الوظيفة.

    تحدّد مفهوم الدراماتورج في القرن السابع عشر بفن تأليف المسرحيات ، إذ أن طبيعة العمل المسرحي كانت تفرض على الكاتب معرفة خصوصية العرض.وقد ظهر ذلك بشكل جلي في المسرحيات الفرنسية الكلاسيكية التي كانت تشمل ملاحظات تتعلق بشكل الكتابة وبشرط تحقيق العرض وبمدى الالتزام بالقواعد المسرحية السائدة آنذاك، ففي تلك الفترة شكّل النص مركز الثقل في العملية المسرحية، حيث كانت الكتابة هي من تفترض شكل عرض محدّد

   ليتطوّر مفهوم الدراماتورجيا مع الكاتب والناقد الألماني غوتهولد افرايم ليسينغ الذي وسّع من مفهومه ليتخطى عملية الكتابة ويشمل العمل المسرحي بمجمله بما فيه عمل الممثل وشكل العرض. فقد انطلق ليسينغ في كتابه(دراماتورجيا هامبورغ) سنة 1769من الرغبة في التخلّص من سلطة النموذج الكلاسيكي الفرنسي وتثبيت الخصوصية الألمانية، لتمثّل بذلك التجربة الألمانية في المسرح أوّل انفتاح في معنى الكلمة( الدراماتورجيا) على مدلولات جديدة تتخطى الكتابة لتشمل العمل المسرحي ككل.  انطلاقا من هذا المفهوم الجديد أصبحت توكل للدراماتورج مهام جديدة مرتبطة بالتحضير للعرض المسرحي ، وأخرى مرتبطة بالإشهار والتسويق والاتصال والترجمة . ومن هنا أصبح الدراماتورج هو صانع العرض والشخص الذي يهيأ نصا دراميا ليغدو قابلا للمسرحة مراعيا في ذلك كل الشروط التقنية والفنية اللازمة لنجاح العملية الاخراجية.

   وهكذا تتوطّد العلاقة بين الدراماتورج والمخرج من أجل تحقيق هدف واحد هو تأطير العمل المسرحي وضمان انسجامه شكلا ومضمونا، بل أصبح كثير من المخرجين يقومون مقام الدراماتورج في التحضير للعرض في حال غيابه( الدراماتورج)، مع الأخذ بعين الاعتبار رأي المتلقي ليؤدي المسرح دوره الفكري والفرجوي .

   ولعل هذا المفهوم الجديد للدراماتورج هو ما يحدّد العلاقة بينه وبين المخرج، حيث أصبحت الدراماتورجية عملية متكاملة يشارك فيها المخرج مع معد النص ومترجمه والممثل والسينوغراف والناقد  من أجل ضمان نجاح العرض المسرحي . فهي ممارسة فكرية عملية أصبحت جزءا من العمل الإخراجي، بل أصبح الكثير من المخرجين يقومون بنوع من القراءة الدراماتورجية من أجل التحضير للعرض مثلما فعل المخرج الروسي ستانسلافسكي  فيما يخص إعداد الممثلين قبل البدء في التدريبات .كما يعد الدراماتورج شريك المخرج في تنفيذ العرض المسرحي وتتبع أثر خطوط القوة فيه، كما يعتبر بمثابة المستشار الأدبي للمخرج وللفرقة المسرحية ككل فهو المسؤول عن تحضير العرض وإعداده  . وهكذا تتحدّد العلاقة الوثيقة بينه وبين المخرج ابتداء بالبروفات إلى حين تحقق العرض وفق مهام حدّدها باتريس بافيس  تتمثل فيما يلي:

_ اختيار النصوص التي تناسب برنامجا أو حدثا معيّنا.

_اقتباس أو إحداث تغييرات وتعديلات في النص .

-إعادة تكوين النص ضمن مشروع العمل المسرحي ككل.

_ المشاركة في التدريبات المسرحية لإبداء الملاحظات.

_ ضمان ربط العمل المسرحي مع جمهوره.

_ ترجمة النص المسرحي أو نقله من اللغة الأدبية إلى اللغة المحكية وذلك بالتعاون مع المخرج .

 _تحفيز المخرج على ضرورة إنجاح العمل المسرحي من خلال العمل الجماعي.

_ البحث عن المواضيع .

_العمل مع المؤلفين.

_العمل على تكييف وإعداد النص المسرحي.

_ البحث عن المعلومات التي بإمكانها خدمة العمل الإخراجي.

_ تحديد الملامح العامة للجمهور المتفاعل مع العرض.

_ التواصل مع الصحافة ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي.

 

 

المراجع المعتمدة في هذه المحاضرة:

1patris pavis- dictionnaire de théàtre- paris- France-2002

2_ الدراماتورجيا وتقنيات الإخراج المسرحي، بحث مقدم لنيل شهادة الدكتوراه، إعداد: بوعتو خيرة سيدأحمد، اشرف: د.صياد، جامعة أحمد بن بلة وهران، كلية الآداب والفنون، قسم الفنون، السنة الجامعية: 2016_2017م.

3_ماري الياس ، حنان قصاب ، المعجم المسرحي، مكتبة لبنان ناشرون، لبنان ، 1977.

4_خالد أمين، محمد سيف، دراماتورجيا العمل المسرحي والمتفرّج ، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة، المغرب، 2014.

المحاضرة الثانية:

 المخرج وعلاقته بالممثل.

 

       الممثل هو الأداة الرئيسية لتبليغ الخطاب الذي يريد المخرج بثّه إلى المتفرّج  فهو المعبّر عن رؤاه وأفكاره وانفعالاته إلى الجمهور. كما تكمن وظيفة الممثل في تحويل  شخصية ورقية من صنع خيال وإبداع المؤلف إلى شخصية تنبض بالحياة والحركة  على الركح وذلك بوضعها في حوار المسرحية وأفعالها ، وذلك بمساعدة المخرج الذي يكون  مسؤولا عن وضعه داخل الفضاء المسرحي  وجعل الشخصية مرئية للمتفرج وبصورة واضحة عند أدائه لحوار المسرحية أو حتى حين يعبّر في صمت عن عاطفة أو ردة فعل أو انفعال ما .

   ونظرا لأهمية دور الممثل في العملية الإخراجية وحساسيته  فقد مارسه كتاب مسرحيون كبار من أمثال سوفوكليس وشكسبير وموليير...كما أنّ كثيرا من الكتاب يعمدون إلى تأليف مسرحياتهم لممثلين محدّدين ممّن يمتلكون قدرات معيّنة، حيث يبدعون شخصيات مسرحية وفقا لقدرات ذلك الممثل دون سواه.

   من هنا بات على المخرج مسؤولية أكبر بكثير في كيفية اختيار الممثلين وتوزيع الأدوار فيما بينهم. وتتحدد علاقة المخرج بالممثل في مجموعة من المستويات انطلاقا من اختيار الممثلين حتى مرحلة بداية العرض مرورا بإجراء البروفات وتنفيذ الرؤية الإخراجية لأي نص مسرحي.

1_ المستوى الأول:

       يقوم المخرج وفقا لمعطيات النص  باختيار الممثلين المناسبين لشخصيات المسرحية وذلك وفقا لقدراتهم التمثيلية العالية ومدى توافق بعض صفاتهم  مع صفات شخصيات المسرحية.إضافة إلى مرونة الممثل الجسمية والصوتية وقدرته على الإبداع والعطاء.، وكذا رهافة حسّه وذكائه. ويتمّ ذلك الاختيار على أساس المقابلة أو المعرفة الشخصية بالممثل.

   من هنا  فالممثل هو الخامة الأساسية في تصميم العرض المسرحي فنيا وجسديا وقد تجد تلك الخامة فعاليتها  في جماليات التعبير الجسدي والصوتي، ذلك أن حركة الممثل قد تحكي لنا في شكلها وتنسيقها حكاية تتطوّر في تسلسل ما.لذلك أولاه المخرج أهمية بالغة وحاول جاهدا تطوير قدراته الجسدية والصوتية كونه يمثّل نقطة بداية يفتح من خلالها المخرج آفاقا جديدة تجعل المتفرج أكثر تركيزا وإعجابا لما يقدّم أمامه. لذلك وقصد الوصول إلى التعبير الجسدي الصادق توطّدت العلاقة بين الممثل وكل ما يحيط به ماديا من ديكورات وإضاءة وإكسسوارات...ومن ثم تمكين الممثل من الغوص في أبعاد الشخصية وتقمصها.

    خلاصة ذلك أن المستوى الأول تعلّق بالجانب البصري وبقدرات الممثل الجسمية ومدى ملائمة ذلك للأبعاد الفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية للشخصية ، وكذا علاقة الممثل بما يحيط به من أزياء وألون ومكياج...وانسجام ذلك والفكرة المراد إيصالها للمتفرج.

2_ المستوى الثاني:

    إذا ارتبط المستوى الأول بالجانب البصري فان هذا المستوى يرتبط ارتباطا وثيقا بالجانب السمعي للممثل في أصواته وطريقة كلامه  ومدى ملائمة ذلك مع صفات الشخصية المراد أدائها في تغيرات الإيقاع سواء بالتوافق أو بالتضاد مع دوافع الفعل. وفي هذا المستوى يقوم المخرج بمساعدة الممثل للوصول إلى مبتغاه.

3_ المستوى الثالث:

    يتعلق هذا المستوى بالجانب الحركي للممثل في إيماءاته في تلاؤمها مع أبعاد الشخصية ودوافعها وعلاقتها مع الشخصية الأخرى التي يلتقي بها وتصحيح إيقاع الحركة مع تلك الأبعاد والعلاقات.

   من هنا فان هذه المستويات تحيلنا إلى نتيجة مفادها أن دور الممثل يمكن في ترويض حركاته وانفعالاته ومشاعره بما يتناسب ومتطلبات محتوى العرض المسرحي  وذلك باستخدام طاقاته الجسمية والروحية لتحقيق جمالية العرض ككل والمزاوجة بين العلامات الجسدية والصوتية، ويتأتى ذلك كله من خلال التدريب والرغبة في تحويل تلك الطاقات الكامنة في جسده إلى متعة بصرية لدى المتفرج ولعل ذلك مشروط بتوجيهات المخرج ونصائحه .

   وهكذا نستنتج أنّ مهمة الممثل الأساسية تتمثل في تأدية الدور على أكمل وجه وفي أحسن صورة من خلال إرشادات المخرج وتوجيهاته سواء على جهة الحوار أو الحركة، ذلك أن الممثل هو الواجهة المركزية للعمل المسرحي الذي لا يمكن الاستغناء عنه أبدا فهو أداة المخرج والمؤلف في توصيل الرؤى والأفكار والانفعالات وهنا تتجلى وظيفة الممثل.

  

 

المراجع التي يمكن الاستعانة بها  في هذه المحاضرة:

1_ستانسلافسكي، إعداد الممثل، نهضة مصر للطباعة والنشر، تر: محمد زكي لعشماوي، مراجعة دريني خشبة.

2_ماري الياس وحنان قصاب، المعجم المسرحي، مكتبة ناشرون لبنان، بيروت، 1977.

3_أوسكار ريمز ، الفكرة الإخراجية والتشكيل الحركي، تر: نديم معلا محمد، منشورات وزارة الثقافة ، المعهد العالي للفنون المسرحية ، دمشق، سورية، 1986.

4_بدري حسون فريد  وسامي عبد الحميد، مبادئ الإخراج المسرحي ، منشورات جامعة بغداد، جمهورية العراق، وزارة التعليم العالي، 1980.

5_التجربة الإخراجية في المسرح المغاربي قراءة في الأساليب والمناهج، بحث مقدم لنيل درجة دكتوراه، إعداد منصوري لخضر، إشراف: ملياني محمد، جامعة وهران، كلية الآداب واللغات والفنون، السنة الجامعية: 2010_2011


المحاضرة الثالثة:

المخرج السينوغراف

 

 

       يتألف الفن المسرحي من عناصر أساسية تميّزه عن باقي الفنون والنشاطات الثقافية الأخرى ، وأولى تلك العناصر النص أي الكلمة،  ثم الفعل وهو يشمل الكلمة أيضا والحركة والإشارة وهو بمثابة روح التمثيل.وثالث تلك العناصر الفضاء وهو المكان أو الجو العام الذي تدور فيه أحداث المسرحية والقلب النابض للفعل المسرحي.

   ونظرا لأهمية الديكور الذي كان ولا يزال عصب المسرحية أولاه المخرجون أهمية كبيرة، ذلك أنه يمثل على حد قول باتريس بافيس :" الإطار للفعل المسرحي من كل الوسائل المرسومة والتشكيلية والهندسية".لذلك يعمل المخرج منذ قراءته للنص على تشكيل صورة مسرحية تحتوي على تكامل بين فنون متعدّدة، إذ كان تصميم الديكور وعرضه متعلّق بالتطورات الحاصلة في التكنولوجيا وبتنوّع المدارس التشكيلية سواء في استخدام الضوء أو الإطارات الحديدية والخشبية أو اختيار نوعية القماش الذي يتناسب وسياق الأحداث العامة.

   من هنا أصبح المسؤول عن تصميم الديكور عضوا بارزا في فريق العمل المسرحي ككل، حيث حرّر المخرج من التصور الواقعي الفوتوغرافي  للمناظر المسرحية والولوج للخيال والإبداع واستخدام الرمز،الإنارة انتباه المتفرج وتحقيق المتعة لديه.

وظائف الديكور:

    _إشراك المتفرج في جو العرض المسرحي.

_ تأطير حركة الممثلين وطريقة دخولهم وخروجهم.

_تحديد الأزمنة والأمكنة وكذا الأبعاد والزوايا.

     كما وظف المخرجون الديكور بطرق مختلفة باختلاف توجه كل مخرج رغبة منهم في خلق فضاءات جديدة تعبر عن أفكارهم  بطريقة تزيد من جمالية إخراجهم المسرحي،  فقد استخدم برتولد بريخت على سبيل المثال  الديكور من أجل كسر الإيهام لدى المتفرج ومشاركته في العملية المسرحية.، فلم يستخدم الستارة لإخفاء ما يجري لإعداد المشاهد فيبقيها مرفوعة إلى النصف محاولة منه إيصال فكرة للمتفرج بأن ما يشاهده ما هو إلا تمثيل، كما استعان بديكورات مجردة وبالغة البساطة .

   بالإضافة إلى اهتمام المخرج بالديكور أولى الاهتمام بالأزياء أيضا بشكلها ومادتها وألوانها حيث يقول المخرج الفرنسي جورج بانو:" ليس اللباس لوحده من يتكلّم ، لكن في علاقته التاريخية مع الجسم".لذبك اهتم بها المخرج، حيث يحدد وفق رؤيته الإخراجية شكل الملابس لتتوافق ولون الديكور والمناظر وإضاءة العرض. ولعل عدم اهتمامه بهذه المسائل الدقيقة في اختيار الأزياء يجعل عرضه المسرحي عرضة للفشل، لذلك عمل العديد من المخرجين من قبيل برتولد بريخت وبيتر بروك وجاك كوبو وأريان موشكين ...على أن يكون تصميم العرض واختيار الأزياء معبّرا في مسرحياتهم لتحمل دلالات رمزية تخلق حالة من الوعي والتأمّل.

   كما اهتم المخرجون بعناصر أخرى ساهمت في تحقيق جمالية العرض المسرحي كاختيار الإكسسوارات وهي المادة التي يستعملها الممثل أثناء العرض. إضافة إلى توظيف الإنارة التي تعد أحد أهم العوامل الأساسية في تشكيل الصورة العامة للعرض المسرحي وذلك بتركيز الضوء على بعض الممثلين أو أحد أجزاء الديكور والإكسسوارات لجلب أنظار المتفرجين وبلورة علامات الفضاء المسرحي... .

   تأتي الموسيقى والمؤثرات الصوتية في خانة اهتمام المخرج كونها وسيلة إبداعية لتجسيد الأفكار والرؤى التي قد تعجز الحركة أو الكلمة عن توصيلها.كما تجل الموسيقى المتفرج في حالة وجدانية إذا كانت ملائمة للجو العام للمسرحية، كما تساعد في تقوية المواقف الدرامية وتوضيحها..وغيرها من الوظائف التي تحققها الموسيقى.

   من هنا يقوم إبداع المخرج  على الوسائل البصرية لأجل توظيفها في تفسير نص المؤلف ولإثارة أحاسيس المتفرج، فكلما كان عمله متكاملا واختياره صائبا كلما أحدث استجابة وردود فعل من طرف الجمهور وذلك لا يتأتى إلا بتعاون المخرج مع صناع العمل المسرحي كون هذا الأخير عمل جماعي يقوده المخرج ويحكم زمام أمره، ومن هنا يأتي الإحساس الفني الإنساني قبل المهارة الحرفية في فن الإخراج المسرحي.

 

 

 

قائمة المراجع التي يمكن الاستعانة بها في هذه المحاضرة:

_أكرم يوسف، الفضاء المسرحي _دراسة سيميائية، دار مشرق مغرب ، دمشق، 1994م.

_عثمان عبد المعطي عثمان، عناصر الرؤية عند المخرج المسرحي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996م.

_patrice pavis _dictoinnaire du théàtre

_عبد القادر القط، من فنون الآداب المسرحية، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، د.ت.     

 

 

 

المحاضرة الرابعة:

الاتجاهات العالمية في فن الإخراج.

 

تتحدد معطيات العرض المسرحي تبعا لرؤية المخرج واتجاهه ، حيث تتعدّد الاتجاهات وتختلف باختلاف توجهات كل مخرج. واختياره لاتجاه دون آخر نابع من انتمائه الفكري والإيديولوجي. . 

         وبما أن الإخراج المسرحي فعالية إبداعية مدركة وذو صلة وثيقة بطاقة الخيال، فلا بد من أن تكتمل الصورة المسرحية من خلال عناصر العرض التي تحتوي هذا الإخراج، فلا يقوم العرض المسرحي بدون التأسيس على كلمة، مهما كانت أهميتها ومهما كان مضمونها الفكري، ولا قيام لعرض مسرحي بدون فنانين يحملون هذه الكلمة ويجسدونها ويوصلونها لفظا ومنطوقا ومضمونا للمتلقي.

         لذلك على المخرج أن يستخدم أسلوبه بشكل مناسب والعرض المسرحي المراد تقديمه وفق المكونات الظاهرة التي تشمل الأزياء، والديكور، والموسيقى . الخ من العناصر المسرحية الأساسية للعرض المسرحي، والمكونات غير الظاهرة التي تشمل كل أفكار المخرج التي تبقى في ذهنه.

 

التعبيرية

     التعبيرية هي مذهب الانفعالات والأحلام ، وهي تعبر عن انفعالات وأحاسيس ودواخل الشخصية يطرحها بشكلها التعبيري الذي يقدمه في عمله الفني . ويعد ليوبولد جسنر من أهم المخرجين الذين أثروا بشكل كبير في الاتجاه التعبيري،حيث رأى بأن المسرح هو التكامل لعدة فنون لذلك سعى الى استنباط معاني جديدة من خلال تعبيرات فنية جديدة، كما رأى بأن المخرج هو رجل المسرح القادر على اكتشاف أشكال جديدة  يمكن إبداعها من خلال حرية المخرج في إعادة النظر في تتابع النص المسرحي. يذهب جسنر على العكس من المخرجين التعبيرين الذين اتجهوا كلية إلى نصوص الكتاب التعبيريين المعاصرين ، حيث يبحث عن تراث السابقين عن أعمال يقدم لها  تفسيرات معاصرة تعالج القضايا التي تطرحها اللحظة السياسية والاجتماعية دون أن يكون هذا من خلال تشويه النص، أو تزييفه أو اقتباسه ، بل من خلال تصوره للديكور والأزياء ومن خلال الأداء الموجه توجيها علميا. ومن أهم الأعمال التي تعبر عن  اتجاه جسنر مسرحية (هاملت) لشكسبير حيث تقدم الأمير هاملت كثائر فوضوي ضد مجتمع متفكك ومنهار .

  يعد الممثل بالنسبة لجسنر حاملا للفكرة أكثر من مفسر لها ، ولا يجسد الشخصية نفسها إنما يكون مترجما لحالات الروح ، فضلا عن اكتساب أداءه الفيزيقية بالدرجة الأولى . ولهذا فان الممثل اقرب ما يكون للراقص الذي يعبر بكل عضلة في جسمه عن معاني الرقص. أما بقية العناصر المسرحية كالديكور والإضاءة والموسيقى ...فإنها توظف  التركيز على روح الدراما ، بما يؤدي إلى شكل من أشكال الانصهار بين هذه العناصر والدراما نفسها.

2_ أنتو نين أرتو واتجاه مسرح القسوة:

  

       يعد (ارتو) واحدا من المخرجين المسرحيين الذين دعوا إلى مسرح يبتعد عن الزيف والنمطية السائدة آن ذاك إذ أراد لمسرحه أن يكون أشبه بمحرقة ووسيلة التعبير القاسية التي يجب أن تتوصل إلى تنويم جهاز الإحساس لدى المتلقي، والقسوة يقصد بها ذلك النوع من القسوة التي تصدق بين الناس جميعا بحكم خلوها من الدوافع الشخصية ومن التعقل. لقد دعا ارتو إلى وظيفة جديدة للمسرح ، فقد عد الوظيفة الرئيسة لمسرحه هي طرد الأوهام والخيالات. كما نادى  بضرورة تأسيس فضاء مسرحي جديد يقوم على نبذ خشبة المسرح والصالة معا، واستبدلهما بمكان واحد بلا حواجز من أي نوع، ليصبح المسرح الأحداث نفسها ويعيد الاتصال المباشر بين المتلقي والعرض، والممثل والمتلقي نظرا لان المتلقي الذي وضع وسط الأحداث محاط ومتأثر بها. وبهذا نتلمس بان المخرج يريد تحول الحياة الواقعية الإنسانية إلى حياة سرية ميتافيزيقية روحية بدائية.

3_ بيتر فايس والمسرح التسجيلي:

          يمثل الاتجاه التسجيلي موقفا من المجتمع من جانب الطبقات المستغلة. ويدخل في التزام رجل المسرح التسجيلي أمر توصيل المسرح إلى هذه الطبقات  بعد أن كان متاحا فقط للطبقات البرجوازية التي تعتبر المسرح مجرد نزهة ليلية ، ومن هنا لابد من طرح عملية الإنتاج المسرحي على بساط الدراسة من جديد ، سعيا إلى تخطيط جديد يضع في اعتباره الوظيفة الجديدة للمسرح  سواء بالنسبة لاختيار النصوص أو طريقة إخراجها.

   ويعد  بيتر فايس صاحب المسرح التسجيل، حيث يعتمد في تبنيه لهذا الاتجاه على قواعد أساسية منها:

_ اعتماد تقارير حقيقية،_ الاعتماد على الموضوعات السياسية والاجتماعية، _ويلجأ إلى الكاريكاتيرية والى المواقف المبسطة ليكون واضحا ويستخدم الأغاني والجوقة والتمثيل الصامت والأقنعة والمؤثرات الصوتية والتعليق._ يخرج خارج المباني التقليدية للمسرح التي تخضع لسيطرة السلطة . ويذهب إلى المعامل والمدارس والملاعب والصالات العامة،_ يقف بالضد من النظرة العبثية للحياة  إذ انه يؤكد الواقع .

4_ الاتجاه الملحمي:

  يعد (بريخت وزميله بسكاتور) مؤسسي نظرية المسرح الملحمي والتي تخالف في قواعدها نظرية (أرسطو) المعروفة التي تعتمد على مبدأ التطهير، وقد أفاد (بريخت) في نظريته تلك من الفنون المسرحية في الصين والهند واليابان والمسارح الشعبية في النمسا، ولكنه لا يعني انه ارتكز بمسرحه على تقاليد المسارح الكلاسيكية، بل تقوم على الشمول والتكامل في كل جوانبها سواء كان في التأليف أو التمثيل أو الإخراج وتقدم مفهوما للمسرح غايتها بناء العلاقة بين المسرح والمجتمع، فأراد بريخت أن ينقل المتلقي وأن يجمع أمامه صورتين في آن واحد الصورة المسرحية وصورة المجتمع وتكامله، أي على المتلقي  التفكير  وليس التعاطف. هذه العلاقة الجديدة بين المتلقي والمسرح والمجتمع هي التي فرقت بين المسرح الملحمي والمسرح الدرامي، وأيضا عن المنطلق نفسه الذي اتبعه سابقه (بسكاتور) على أن المتلقي يقف موقفا سلبيا، وانه يجعل الأحداث غير قابلة للتغيير، وبذلك فان المتلقي يجب أن يؤدي دورا فاعلا في العرض المسرحي وان يبحث موقفا نقديا لما يرى ويسمع، ومخاطبة عقل المتلقي وليس مشاعره لان المتلقي قابل للتغيير باستمرار.

5_ جيرزي كروتوفسكي واتجاه المسرح الفقير:

     دعا (كروتوفسكي) مسرحه باسم ( المسرح الفقير) لان التقنية الموجودة في المسرح مهما توسعت ومهما استغلت إمكانياتها الآلية، ستبقى أدنى من الفيلم والتلفزيون فضلا عن اعتماده على الممثل لأنه يمثل جوهر المسرح. إذ يعد (الممثل) لدى (كروتوفسكي) العنصر الجوهري في العملية الإبداعية، فبدونه لا يمكن أن تتم هذه العملية. أما العناصر الأخرى في المسرح فيمكن الاستغناء عنها كالأزياء، والإضاءة، والموسيقى…الخ . ففي جميع المسارح لا يمكن الاستغناء عن الممثل، لأنه العنصر الوحيد الحي والفعال المتحرك على خشبة المسرح. فبجسمه يمكن أن نخلق كل العناصر المرئية، ولاسيما التشكيلية منها، فضلا عما يكون عليه الممثل من نفسه داخل نفسه، عملية استطلاع مؤهلات الممثل إلى أقصى حد.

   يقول كروتوفسكي في كتابه نحو مسرح فقير:" أن تدريب الممثل لا يتم عن طريق مجموعة المهارات المتفق عليها أو نعطيه (حقيبة حيل). وليست طريقتنا هي جمع المهارات، وإنما تدريب الممثل عن طريق نضج العمل من خلال الجهد المكثف والمفرط وكشف النقاب عن كنه الإنسان- أي عملية ليست بالمتعة الذاتية وإنما إزالة جميع العوائق لكي يهب الممثل نفسه كليا...إذن تربية الممثل في مسرحنا ليست قضية تعليمية،وإنما عملية انسجام ونظام محاولة التخلص من مقاومة العملية النفسية".

6_ بيتر بروك والاتجاه التجريبي:

   يمثل اتجاه العرض التجريبي نزعة تجريبية زاخرا بالقيم الفنية والجمالية التي تسرد ذهن المتلقي وتمتصه ، فالعرض يجب أن يكون محتشدا بالصور غير التقليدية ، كذلك عملية الارتجال التي يتخللها كثير من اللعب ،كل من معطيات اتجاه (ستانسلافسكي) وبوجه خاص فيما يخص الصدق عن طريق الشعور أو الذاكرة الشعورية ، فهي تطالب الممثل والعناصر الأخرى بالمعطيات التجريبية.

   ويعد (بروك) صاحب المسرح التجريبي في المسرح الحديث، حيث اعتمد على قواعد أساسية أهمها:

_ عدم قدسية النص المسرحي فهو قابل للحذف والإضافة وأن الكلمة هي جزء من الحركة.

_الممثل يعتمد ثلاثة طرق هي: التمرين الجماعي(أي أن الممثل يبدأ التدريب بإحساس انتمائه إلى المجموعة إلى فرقة المسرحية)،  القص واللصق(أي أن يؤدي الممثل في وقت واحد مشاهد مختلفة ومواقف مختلفة، فالأداء هنا متراكب من عدة لحظات مختلفة وغير منتظمة وبعد ذلك ينتقل إلى شخصية أخرى ومن مسرحية إلى الأخرى، ثم يعود إلى المسرحية الأولى وهكذا يؤدي في ذلك إلى خلق القدرة على الاستجابة العاطفية السريعة عند الممثل في خروجه ودخوله في حالات نفسية ومتباينة ) ، الارتجال (وذلك من اجل مشاركة الجمهور ومع الممثلين، فضلا عن الانطلاق النفسي والجسدي للممثل).

_المتلقي عنصرا مهما في الكشف عن الأشياء التي يشاهدها أمامه.

_ المنظر المسرحي ليس هم المهم وإنما الحدث المسرحي هو الأهم، لان المسرح مجرد حدث، وحقيقة الحدث هو وجود الممثل، فضلا عن استخدام الصورة المسرحية المتحركة بدلا من الثابتة.

_الزى يوضع في خدمة الممثل لما يجده مناسبا ضمن الحدث المسرحي.

 

 

المراجع التي يمكن الاستعانة بها في هذه المحاضرة:

_ صبري حافظ، التجريب والمسرح، القاهرة، الهيئة المسرحية العامة للكتاب، 1984.

_ كروتوفسكي  جيرزي ، نحو مسرح فقير، ت: كمال قاسم نادر ،بغداد ، دار الحرية للطباعة، 1982

_ رشيد عدنان، مسرح بريخت،  بيروت، دار النهضة العربية والنشر،1988.

_ بريخت برتولد، نظرية المسرح الملحمي،ت: جميل نصيف التكريتي ،بغداد، وزارة الإعلام،1973.

_ مكاوي عبد الغفار  ، التعبيرية في الشعر  والقصة والمسرح ، سلسلة المكتبة الثقافية ، القاهرة ، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر ، 1971.

_ انتو نين  ارتو، المسرح وقرينه، ت: سامية اسعد، القاهرة ،دار النهضة العربية، 1973.